أخبار العالم

بشار جرار يكتب لـCNN: صفير قطار ترامب ومعركته مع غوغل وفيسبوك وتويتر

هذا المقال بقلم بشار جرار، متحدث ومدرب غير متفرغ مع برنامج الدبلوماسية العامة – الخارجية الأميركية، والآراء الواردة أدناه تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN. ارتبطت صورة القطار في الحملات الانتخابية الرئاسية الأمريكية منذ ١٨٩٦، حين استخدم المرشح الرئاسي عن الحزب الديمقراطي آنذاك ويليام جينينغز بريان القطار للتحدث في نحو…

Published

on

هذا المقال بقلم بشار جرار، متحدث ومدرب غير متفرغ مع برنامج الدبلوماسية العامة – الخارجية الأميركية، والآراء الواردة أدناه تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN. ارتبطت صورة القطار في الحملات الانتخابية الرئاسية الأمريكية منذ ١٨٩٦، حين استخدم المرشح الرئاسي عن الحزب الديمقراطي آنذاك ويليام جينينغز بريان القطار للتحدث في نحو 600 موقع على امتداد الولايات المتحدة لما لا يقل عن 5 ملايين أمريكي. في تلك الانتخابات أعلن الحزب الشعبوي اليساري في أمريكا دعمه لبريان مقابل منافسه الجمهوري ويليام ماكينلي. وقد دخلت تلك الانتخابات التاريخ الأمريكي أيضا كونها انتخابات “إعادة الاصطفاف” حيث وحدت الطبقة الوسطى تحالفها الانتخابي واصطفت مع الأغنياء وسكان المناطق “العمرانية” ضد المعسكر الآخر، انطلاقا من وحدة المصالح في تلك الحقبة التاريخية “التحولية” في تاريخ الأمة الأمريكية. تلك الأمة المتقدمة بمسارات عدة نحو مستقبل أفضل بما تحمله القطارات والسكك الحديدية من حرية انتقال الأفراد والبضائع، حرية عملت أيضا على إتاحة انتقال الأفكار والمبادرات الثقافية والفكرية والدينية والسياسية إلى ما وراء حدود البلدة والولاية. من المفارقات التاريخية أن بريان فاز بثقة الحزب الديمقراطي كمرشح إثر خطاب ما زال يعتبر الأكثر شهرة في التاريخ الأمريكي عرف باسم “خطاب الصليب الذهبي”. مقولته الشهيرة كانت “لا تسمحوا بصلب البشرية على صليب من الذهب” في إشارة إلى ربط العملة بالذهب مقترحا “تحرير الفضة” سبيلا لإخراج البلاد من ركود هوى بقيمة العملة وبالتالي أثر على قدرة المستثمرين على الاقتراض والسداد. منذ أول دخول للقطار المعترك السياسي الأمريكي لم تنقطع الصلة بين القطار والحملات الانتخابية حتى دخول عصر الحافلات الكبيرة وتوظيفها في جولات المرشحين لكن أيا منهم لم يستغن في دعايته الانتخابية ومن الحزبين عن صورة القطار وصوت صفيره “كإعلان وصول وأداة تنبيه” وسط تلويح الناخبين المحتملين للمرشح ذهاب وإيابا، هذا في حال اضطر للعودة تحت ضغط أصوات المقترحين المستقلين أو المتأرجحين خاصة في الولايات التي تعرف بالمواسم الانتخابية بأنها متأرجحة الولاء بين الجمهوريين والديمقراطيين. لكن الانتخابات الأمريكية الأخيرة دخلت منصات التواصل الاجتماعي بقوة طغت في اندفاعها وأثرها على قوة وسرعة القطارات والحافلات والطائرات الانتخابية أيضا كتلك التي حملت العلامة التجارية العالمية “ترامب” في مستهل الحملة الانتخابية للرئيس الحالي دونالد جيه ترامب. منذ تلك اللحظة شهدت وسائل الإعلام “الجديد” سبقا فرض نفسه لا على أجندة الصحافة فحسب وإنما على الخارطة والحملة الانتخابية أيضا لكلا المرشحين ترامب ومنافسته هيلاري كلينتون. اللافت أن حربا شعواء بدأت بين مؤيدي الطرفين ومعارضيهما عبر منصات التواصل الاجتماعي، ومنذ تلك الأيام المبكرة للحملة الانتخابية والتي بدأ ترامب بالتحضير، إعلاميا، لها باللقطة الشهيرة التي استخدم فيها وعقيلته ميلانيا السلم الكهربائي الذهبي في برج ترامب أحد معالم نيويورك الرئيسية الآن. حتى أيام استخفاف “المحللين” بقدرة ترامب على الصمود في “تصفيات” مخضرمي الحزب الجمهوري، برع ترامب وفريقه الإعلامي في توظيف حتى هفواته وحركاته المحرجة وتصريحاته المقلقة والجدلية في منصات التواصل الاجتماعي، لتفرض فيما بعد وجودها على معدي نشرات الأخبار وبرامج “التوك شو” الأمريكية. ولمن خبر صناعة الأخبار التلفزيونية كمهنة في أمريكا يعلم تماما أن سر النجاح والجماهيرية ليس دائما المصداقية، للأسف، وإنما أشياء أخرى في مقدمتها المتعة والإثارة فهي بالأساس “شو” أي عرض هدفه في كثير من الأحيان ما يثير اهتمام الجمهور أو يدغدغ مشاعره ورغباته حتى تلك “الغريبة أو الجدلية أو المحرمة”. من هنا وقع كثير من تحليلات الرأي العام في مطب إنكار حقيقة أن كثيرا من الذين يصوتون لا يجاهرون بالضرورة في حقيقة ما يقترعون. يدرك ترامب تماما أن تهديداته الأخيرة العلنية للسيليكون فالي ممثلا بأقطابه غوغل، تويتر وفيسبوك هي بمثابة الجولة الثانية من معركته مع الإعلام. هو بذلك يضيف الإعلام “الجديد” إلى تهمة “الأخبار الكاذبة والملفقة” التي دأب على توجيهها لـCNN ومن بعد لـMSNBC المحطتين اللتين يمتلكان تاريخا مهنيا مشهود له أميركيا وعالميا. لكن الرئيس الأمريكي الذي كان عند اللحظات الحرجة في المعركة الانتخابية يشير إلى “التلاعب والتزوير” في العملية الانتخابية الأمريكية اختار المصطلح ذاته “ريغيد” في وصف ما يعتبره انحيازا ضده وضد أجندة وأخبار المحافظين في أمريكا.  ترامب لم يقطع بإمكانية محاربة خصومه الجدد قانونيا، لكنه قال إنه سينظر فيما إن تطلب الأمر منه كرئيس الإيعاز بسن قوانين ووضع تعليمات وضوابط من شأنها ضمان عدم حظر الأخبار والآراء انطلاقا من الموقف الآيدولوجي أو السياسي. المتهمون الجدد في جديد معارك ترامب سارعوا إلى نفي اتهاماته جملة وتفصيلا قبل أيام من الجولة الثانية من استجوابات الكونغرس والتي بدأت في أبريل/ نيسان الماضي مع مؤسس وصاحب موقع فيسبوك مارك زوكربيرغ. لكن هذا النفي تضمن أيضا إقرارا، من تويتر على سبيل المثال، بأن ثمة حاجة إلى العمل على ضمان لوغاريتمات تحول دون استخدام عدسات مقعرة أو محدبة في رؤية ما يراه الجمهور. فلا تقلل من حجم محتوى وتعظّم في المقابل من حجم محتوى آخر انطلاقا من موقف فكري أو سياسي. وقد أقر زوكربيرغ أمام الكونغرس بوجود أخطاء وأعلن تحمله شخصيا المسؤولية عنها متعهدا بالعمل على تصويبها خاصة مسألة خصوصية مستخدمي الفيسبوك. ولعل من أبرز الردود على اتهامات ترامب، ما جاءت به شركة غوغل مؤكدة أن عمليات البحث بطبيعتها تختلف من مستخدم إلى آخر، لكن محرك البحث واحد وتحكمه معادلات لوغاريتمات غاية في التعقيد والسرية لضمان النظرة الحيادية والعلمية المجردة لأي موضوع قيد البحث. أما اتهام ترامب القائل بأن آلاف الآلاف من الأميركيين قد اشتكوا من حظر تويتر وفيسبوك حرياتهم بالتعبير عبر هتين المنصتين واختفاء أعداد كبيرة من مؤيديه من شبكات التواصل الاجتماعي فلا يقل عن الجدل الذي خالطه الهزل عند القول بتواطؤ “سناب تشات” مع كلينتون في الرسائل المرغوب في إتلافها لسريتها أو حساسيتها. وهو اتهام يضحك المراهقين أكثر من سواهم كونهم الشريحة الأكثر استخداما لتطبيق سناب تشات لأهداف ترفيهية. إن اتهامات ترامب بدت في عيون المحايد والمعارض أشبه ما يكون بفتح ترامب لصندوق باندورا الإغريقي الأسطوري الذي لا تكاد تعرف قراره كون لا نهاية لما يخرج منه. يتساءل الجميع هنا من هو عدو ترامب الجديد؟ وكيف انقلب سلاحه الفعال الفتاك – تويتر– إلى أداة رئيسية للتآمر على نجاح ساهم بتحقيقه على نحو غير مسبوق. المعارض لترامب ولداعميه من المحافظين، يرى فيه نموذجا عرفه العالم الثالث فقط. ففي هذه الأيام الذي تودع فيه الأمة الأميركية أسد مجلس الشيوخ السيناتور المخضرم جون ماكين، يستذكر مؤيدو “الربيع العربي” والمتعاطفون معه تهديدات من ثارت عليهم الشعوب قبل خلعهم من الحكم في أخذهم بنظرية المؤامرة واتهام الصحافة وبخاصة التواصل الاجتماعي بالاشتراك بالمؤامرة على القائد الذي في حال غيابه سيحل الخراب الاقتصادي والعنف. تلك صورة لا أظن ترامب ومؤيدوه يرتضونها، لكن خيال اليمين المحافظ “المتطرف” وصل في شطحاته إلى حد تأكيد تآمر “جيزابيل” الساقطة التي تعبد “بعل”، تآمرها “الكيدي السحري الشيطاني” أي “الويتش كرافت” على أحد أنبياء العهد القديم (الذي يؤمن به اليهود والمسيحيون والمسلمون) النبي إيليا، مما دعا القس جون كيلباتريك راعي “كنيسة حضور الله” في ولاية آلاباما إلى تكريس عظة الأحد للدعاء لحماية ترامب من أعدائه المدانين في نظره بالتآمر على ترامب تآمر جيزابيل على إيليا! وبصرف النظر عن موقفي الشخصي من الرئيس ومعاركه، فإنني لا أقف على الحياد فيها أبدا منذ ممارستي حقي الانتخابي. لكنني كصحافي أمريكي تمكنت من متابعة تلك العظة التي انتشرت كما النار في الهشيم منذ التاسع عشر من الشهر الماضي (أغسطس- آب) من واشنطن عبر الفيسبوك، فيما تعرفت على تاريخ القطار السياسي في أمريكا عبر محرك البحث غوغل. المسألة إذن لا مؤامرة “ولا ما يحزنون”. لكنه – والحق يقال – قد لا تكون مسألة سليمة ونزيهة 100% والأمر قد لا يتطلب أكثر من حوار علمي تقنيّ هادئ بين ذوي الاختصاص في “سيليكون فالي”. ولسان الحال يفيد بأن عبور قطار ترامب الرئاسي إلى “وادي السيليكون” يعني “طبوغرافيا” – حسب “غوغل إيرث”- الانحدار الذي قد يليه انحراف أو خروج القطار عن السكة، لا قدر الله. والصافرة التي لم يصغ إليها وليام “الديمقراطي” كلفته خسارة الانتخابات – رغم قطاره الريادي العتيد – لصالح وليام “الجمهوري”. كانت خسارة قائمة على سوء تقدير مدى خطورة “إعادة الاصطفاف”. إن رضى الأمريكيين واحتمالات إعادة اصطفافهم في تحالفات جديدة من الأمور التي لا تدركها أكثر اللوغاريتمات تعقيدا، ذلك أن المال والحرية والخصوصية والأسرة والوطن والله من كلمات السر المحركة للكثير الكثير، وأي خطأ مهما صغر قد يودي بالباحثين بمن فيهم الرؤساء – إلى خروج القطار عن السكة.

Exit mobile version